محمد بن جرير الطبري
199
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عرفتم من المسخ وغيره . وحدثنا المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثني آدم العسقلاني ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ يقول : فاخشون . وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ يقول : وإياي فاخشون . القول في تأويل قوله تعالى : وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ قال أبو جعفر : يعني بقوله : آمِنُوا صدقوا ، كما قد قدمنا البيان عنه قبل . ويعني بقوله : بِما أَنْزَلْتُ ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن . ويعني بقوله : مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أن القرآن مصدق لما مع اليهود من بني إسرائيل من التوراة . فأمرهم بالتصديق بالقرآن ، وأخبرهم جل ثناؤه أن في تصديقهم بالقرآن تصديقا منهم للتوراة ؛ لأَن الذي في القرآن من الأَمر بالإِقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه واتباعه نظير الذي من ذلك في الإِنجيل والتوراة . ففي تصديقهم بما أنزل على محمد تصديق منهم لما معهم من التوراة ، وفي تكذيبهم به تكذيب منهم لما معهم من التوراة . وقوله : مُصَدِّقاً قطع من الهاء المتروكة في " أنزلته " من ذكر " ما " . ومعنى الكلام : وآمنوا بالذي أنزلته مصدقا لما معكم أيها اليهود . والذي معهم هو التوراة والإِنجيل . كما : حدثنا به محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ يقول : إنما أنزلت القرآن مصدقا لما معكم التوراة والإِنجيل . وحدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وحدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : أخبرنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ يقول : يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت على محمد مصدقا لما معكم . يقول : لأَنهم يجدون محمدا صلى الله عليه وسلم مكتوبا عندهم في التوراة والإِنجيل . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : كيف قيل : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ والخطاب فيه لجمع وكافر واحد ؟ وهل نجيز إن كان ذلك جائزا أن يقول قائل : لا تكونوا أول رجل قام ؟ قيل له : إنما يجوز توحيد ما أضيف له " أفعل " ، وهو خبر لجمع ، إذا كان اسما مشتقا من " فعل " و " يفعل " لأَنه يؤدي عن المراد معه المحذوف من الكلام ، وهو " من " ، ويقوم مقامه في الأَداء عن معنى ما كان يؤدي عنه " من " من الجمع والتأنيث وهو في لفظ واحد . ألا ترى أنك تقول : ولا تكونوا أول من يكفر به ، ف " من " بمعنى جمع وهو غير متصرف تصرف الأَسماء للتثنية والجمع والتأنيث . فإذا أقيم الاسم المشتق من فعل ويفعل مقامه ، جرى وهو موحد مجراه في الأَداء عما كان يؤدي عنه من معنى الجمع والتأنيث ، كقولك : الجيش ينهزم ، والجند يقبل ؛ فتوحد الفعل لتوحيد لفظ الجيش والجند ، وغير جائز أن يقال : الجيش رجل ، والجند غلام ، حتى تقول : الجند غلمان ، والجيش رجال ؛ لأَن الواحد من عدد الأَسماء التي هي غير مشتقة من فعل ويفعل لا يؤدي عن معنى الجماعة منهم ، ومن ذلك قول الشاعر : وإذا هم طعموا فألأَم طاعم * وإذا هم جاعوا فشر جياع فوحد مرة على ما وصفت من نية " من " ، وإقامة الظاهر من الاسم الذي هو مشتق من فعل ويفعل مقامه . وجمع أخرى على الإِخراج على عدد أسماء المخبر عنهم . ولو وحد حيث جمع أو جمع حيث وحد كان صوابا جائزا . فأما تأويل ذلك وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ فإنه يعني به : يا معشر أحبار أهل الكتاب صدقوا بما أنزلت على رسولي محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن المصدق كتابكم ، والذي عندكم من التوراة والإِنجيل المعهود إليكم فيهما أنه رسولي ونبيي المبعوث بالحق ، ولا تكونوا أول من كذب به وجحد أنه من